عبدالنبي النديم يكتب: حقول البترول المتقادمة والشريك الأجنبى .. «انسحاب أم استثمار»

إعادة الاستثمارات في حقول البترول والغاز المصرية المتقادمة، من الموضوعات المهمة التي توليها شركات النفط والغاز أهمية خاصة، ليس في مصر فقط بل في جميع أنحاء العالم أجمع، خاصة إذا كانت الحقول ما زالت منتجة، وتحتل اهتمام كبير من قبل وزارة البترول، فحقول البترول والغاز بعد انتهاء مدة الامتياز للشريك الأجنبي تكون أمام خيارات .. إما أن تعود للهيئة العامة للبترول أو القابضة للغازات الطبيعية، أو يتم مد الاتفاقية، أو تصفية الشركة المشتركة نتيجة نضوب آبار البترول أو الغاز الطبيعي بها، الأمر الذي يضيف تكلفة على قطاع البترول لتنمية هذه الآبار المتقادمة..
فحقول البترول والغاز الطبيعي المتقادمة هي الحقول التي بلغت مرحلة انخفاض الإنتاج، وتسعى الشركات العاملة في قطاع البترول والغاز إلى إطالة عمر الإنتاج الاقتصادي للحقل، باستخدام تقنيات فعالة ومنخفضة التكلفة، وعلى الرغم من أهمية الاستثمارات الموجة لعمليات البحث والاستكشاف عن البترول والغاز، إلا أن عمليات التنمية للحقول المتقادمة لا تقل أهمية، للمحافظة على دينامكية رقم معدلات الإنتاج من البترول والغاز الطبيعي، وتعمل وزارة البترول بالتعاون مع الشركات العالمية على تنمية حقول البترول والغاز بكافة المناطق البرية والبحرية في مصر، وذلك لزيادة الإنتاج والحفاظ على معدلات الإنتاج مستقرة، ولمواجهة التناقص الطبيعي في الآبار المتقادمة، وكذلك العمل على زيادة الإنتاج من الآبار الحديثة من خلال استخدام التكنولوجيات الحديثة المتقدمة.
ويحظى هذا الملف بأهمية كبيرة لدى المهندس طارق الملا وزير البترول، والذي انعكس بالإصلاحات العديدة التي نفذتها الدولة، والتي تضمنت إصلاحات رئيسية في قطاع البترول والغاز قادت مصر إلى إحراز نجاحات مهمة على المستوى الاقتصادي، فتم عقد مائدة مستديرة افتراضية للبحث عن حلول مع رؤساء الشركات العالمية العاملة في مصر لبحث فرص زيادة الاستثمارات في الحقول البترولية المتقادمة، أكد خلالها أن وزارة البترول حققت بعض النجاحات في مجال زيادة الإنتاج من الحقول البترولية المتقادمة، والتي تحفزه على العمل بشكل كبير على تنمية النجاحات في هذا المجال بالتعاون مع الشركاء الأجانب من شركات البترول العالمية العاملة في مصر، وأن قطاع البترول قد قام بوضع خطة عمل لتحسين أداء الحقول البترولية المتقادمة بالتعاون بين هيئة البترول والشركات العالمية والتي تستهدف زيادة جذب الاستثمارات في هذا المجال وتحسين الأداء التشغيلي ومن ثم زيادة الإنتاجية من هذه الحقول، بتشكيل لجنة فنية مشتركة من قطاع البترول، وعدد من رؤساء الشركات العالمية والخبراء بالصناعة لدراسة سبل تحسين أداء الحقول المتقادمة في مصر ووضع توصياتها على خطة العمل بالوزارة.
وكانت من أهم المتطلبات من الشركات العالمية اللازمة لتحسين أداء الحقول البترولية المتقادمة وزيادة إنتاجها، زيادة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، والتركيز على تحسين الأداء وتقليل التكاليف مما ينعكس بدوره على كفاءة العمليات التشغيلية، والعمل على زيادة الإنتاج من الحقول المتقادمة حيث تمتلك مصر عدة مواقع متميزة بالصحراء الغربية وخليج السويس، والتي لا تزال تتمتع بثروات هيدروكربونية تقليدية وغير تقليدية، وذلك من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والخبرات المتنوعة للشركات الأجنبية بجانب الخبرات المصرية.
ويبدو أن الواقع شيء والتنفيذ على أرض الواقع شيئا آخر.. فالشركات الأجنبية هدفها الأول هو تحقيق الربح، «فرأس المال بطبيعته جبان»، ويبدو أن آبار البترول المتقادمة لن تحقق هذه الغاية معهم، وأن الكلام النظري لا يساوى عائد في حالة نضوب آبار البترول أو إعادة تنمية الحقول المتقادمة، فشركات البترول المصرية خاصة الشركات الرائدة في مجال الإنتاج والتي مر عشرات السنين على إنشائها، مثل الشركات التي تعمل في البحر الأحمر مثل «جابكو وسوكو» والشركة العامة وهى شركة الإنتاج المملوكة للدولة، كلها شركات ذات خبرة قديمة لعشرات السنوات، والآبار التي تمتلكها السواد الأعظم منها تقادمت، وأقصى ما يمكن عمله أن تقوم الشركات بتنمية بئر قديمة، ولتنمية البئر يجب دفع الكثير من الأموال، في الغالب لن يكون الإنتاج اقتصاديا، وفي النهاية يكون الناتج كله يمكن أن يكون ألفاً أو ألفي برميل زيادة على الأكثر، وهو ما حدث بالفعل في شركة جابكو عند تنمية بعض الآبار، مما جعل شركة عملاقه مثل «بى بى» البريطانية تبيع حصتها في الشركة لشركة دارجون أويل الإماراتية، وإنهاء شراكة بي.بي التي دامت 50 عاما في شركة بترول خليج السويس (جابكو).
وفى وضع مشابه لما حدث في شركة جابكو حدث بشركة المنصورة للبترول، التي يتم تصفيتها الآن، حيث أن إنتاج الشركة من الغاز الطبيعي تراجع في الفترة الأخيرة بنسبة ٨٥٪ تقريبًا، ليصل إلى أقل من 20 مليون قدم مكعب، بعد أن كان ١٥٠ مليون قدم مكعب غاز يوميًا، كما تراجع إنتاج المتكثفات بنسبة ٩١٪ تقريبًا، ليسجل ٣٥٠ برميلًا ، بعد أن كان ٤٠٠٠ برميل يوميًا، وتراجع إجمالي الإنتاج اليومي بنسبة ٧٦٪ ليسجل ٤٨٠٠ برميل من الزيت المكافئ، بعد أن كان ٢٠ ألف برميل يوميًا، وذلك نتيجة لإصرار الشريك الأجنبي على فتح الآبار لتنتج بأقصى طاقتها، مما أضر بقدرة الآبار على الاستمرار في الإنتاج بمعدلات طبيعية، وهو ما أدى إلى بدء الانخفاض الفوري في الإنتاج بمعدلات تصل لنحو 10- 12 مليون قدم مكعب من الغاز في الشهر، وعلى الرغم من أن التناقص الطبيعي للآبار لا يتجاوز 2 مليون قدم مكعب شهريا.
وفى النهاية انسحب الشريك الأجنبي وهو شركة «بتروكيلتك الاسكتلندية» ، وعادت الشركة لملكية الهيئة العامة للبترول، وتم توزيع بعض العاملين بها على شركات بترول شقيقة، كما يتم الآن عرض أصولها من معدات وأصول للبيع إلى شركات البترول الأخرى.
كما تم ضم الشركة مع شركة بترو زيت والتي أصبحت بلا شريك أجنبي هى الأخرى بعد انسحاب شركة «فيجا أويل الشريك الأجنبي» منها إلى شركة أوسوكو «شركة شقير البحرية للزيت» وبعد الدمج أصبحت الملكية 100% لهيئة البترول.
كما أن انسحاب شركة «فنترسهال» الألمانية من مناطق امتيازها في خليج السويس وتحديداً في حقلي «خليج الزيت» و«راس بدران»، بعد انسحابها مسبقا من حقول رأس فنار، واحتفظت فقط بحقل دسوق للغاز، وهي الشركة التي كانت تعمل بالشراكة مع «سوكو» المصرية «السويس للزيت» ، مما يعنى أن شركة السويس للزيت عادت بنسبة 100 % مملوكة للهيئة المصرية العامة للبترول، والتي دخلت في مفاوضات مع رجل الأعمال المصري صلاح دياب لشراء الحصة، لكن الصفقة فشلت، وأصبح المشروع تابعاً للهيئة بشكل كامل.
وكذلك انسحاب الشركة الألمانية جاء بسبب عدم الجدوى الاقتصادية، وذلك لأن تلك الآبار أصبحت قديمة ومتهالكة، ولكي يتم تجديدها فسوف تكون كلفتها عالية وستصبح غير ذات جدوى اقتصادية، ولذلك لا يوجد الآن أي شريك آخر يرغب في شراء الحصة التي تركتها شركة «فنترسهال».
أما بخصوص أنشطتها في حقول دسوق للبترول، فالوضع ليس مبشرا، حيث وصل إنتاج تلك الحقول 170 مليون قدم مكعب ثم بدأ بالانخفاض سريعا خلال أخر 5 سنوات حتى وصل إلى ما يقارب 45 مليون قدم مكعب حاليا، نتيجة السياسات الخاطئة في تشغيل الآبار، وفتحها بشكل مبالغ فيه كي تنتج بأقصى طاقتها، مما تسبب في انهيار سريع في إنتاج الآبار المكتشفة، والتي قد تدخل الإنتاج لمدة شهور فقط، ثم تنضب مثل بئر NSG 2-3 ، والذي دخل الإنتاج لمدة شهر واحد فقط، ثم تم إغلاقه لعدم جدواه، وبئر NSG 4-2 ، والذي تم وضعه على الإنتاج لمدة 16 يوم فقط ، ثم تم إغلاقه بسبب خروج كمية هائلة من ترمل من الغاز، وبئر NSG 2-1 ، والذي أنتج لمدة لا تتجاوز العام ثم تم إغلاقه أيضا لتدهور ضغط الخزان.
والغريب في الأمر أن انسحاب الشريك الأجنبي نتيجة عدم تحقيقه لأرباح من الآبار المتقادمة، لكن نجده مصر على الدخول في مشروعات غير ذات جدوى اقتصادية، وفي الغالب سيكون المشروع أشبه بمن يبنى قلعة من الرمال، فقد قامت شركة «فنترسهال الألمانية» بطلب لإنشاء محطة لإنتاج البوتاجاز بتكلفه تتعدى 60 مليون دولار، من بئرين جديدين في منطقة خزان سريعة النضوب، ولم يتم وضع أي من البئرين على الإنتاج، ومراقبة أدائهم الفعلي لتحديد جدوى إنشاء المحطة الجديدة وقد عارضت إدارة شركة «سوكو» هذه الخطوة ، لكن الشركه الألمانيه حصلت على موافقة لإنشاء هذه المحطة من الشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» .
وللحديث بقية .. ما زال في العمر بقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى